عتبة الوعي:مقدمة في تفكيك صدام الجهالات
يعتبر المفكر الفلسطيني الامريكي إدوارد سعيد (1935-2003)من أبرز كتاب القرن العشرين وأحد أعمدته في النقد الأدبي و السياسي،المفكر الذي استطاع أن يفكك ألية الهيمنة المعرفية والغربيه من خلال كتابه" الاستشراق"استطاع بفضل حنكته الفكريه وملكته الابداعيه ان يفكك المقولات الجاهزه والصدمات الحضاريه المفتعله.
ياتي رد المفكر إدوارد سعيد بمقالته المشهوره " صراع الجهالات " عام2001 كوثيقة بالغه الاهميه على ما كتبه "صمويل هنتينكتون " (صدام الحضارات), في هذا العمل لا يكتفي سعيد بنفي فكره حتمية الصدام او الصراع بين الشرق والغرب,بل يتمحص في تحليل مركب الوعي المشوه الذي افتعله العداء،يرى الكاتب أن ما يشهده العالم من اختلالات ونزاعات وصراعات ليس صراعا حتميا بين الحضارات المتجانسة،بل هو صراع "جهالات" تسببت فيه نخب سياسة ولوبيات ممنهجة وادوات اعلامية مسيطرة عبر اختزال الثقافات المتعددة في قوالب جامدة وتعميمات عنصرية
هنا المفكر إدوارد سعيد يفكك المقال الى مفاهيم قيمة مبسطة شرح فيها الهوية مستبدلا خطاب الكراهية الجاهل،بدعوة عميقة لفهم ترابط الانسان عبر الفكر و التاريخ المشترك الذي يجمع البشرية بدل تشتيتها وتمزيقها
![]() |
| كيف فكك المفكر سعيد ألية " صدام الحضارات"ب صدام الجهالات |
وهم النقاء الثقافي؛تشريح مفهوم " صدام الجهالات"والجهل المؤسسي بالأخر
لم يكن المفكر سعيد مجرد ناقد عابر حين صاغ مفهوم صدام الجهلات ردا على نبوءه صامويل هنتنجتون الشهيره "بصدام الحضارات" لقد اراد المفكر تفكيك تلك الاسطوره او الاغلوطه التي تحاول تقسيم العالم الى مربعات معلبه وكيانات مصمته تتصارع حتميا ,انما يشهده العالم اليوم ليس صراعا بين قيم حضارية راقية واخرى متدنية بل جوهره معركه تقودها الجهالات المركبه الملغمه والتعميمات المصنوعه في مختبرات الساسة والاعلام تحت مظلة جماعات الضغط او اللوبيات المسيطره في العالم
تستند فكره صدام الجهلات الى حقيقه ان الحضاره ليست كائنا نقيا يعيش بمفرده في معزل عن الاخرين، الحضارات عبر التاريخ هي مخاض نتاج عن التجمعات البشريه المتنوعه وكائنات هجينه تتنفس من خلال التثاقف والتواصل والتزاوج والتصاهر والتبادل التجاري عبر مرور الازمنه،، لا يوجد حضارة غربية خالصة من التاثيرات الشرقيه والاسلامية ولا توجد حضارة اسلاميه بعيده عن الارث الفلسفي اليوناني او العلوم الانسانيه الحديثه وبالتالي فصل الحضارات بخط احمر هو تزييف وعي للتاريخ الانساني المشترك.
ان الجهالة في هذا السياق ليست مجرد غياب المعلومه بل هي صناعه وتوجيه انها جهاله تبنى عبر اختزال الشعوب والثقافات المعقده في صوره نمطيه واحده فيختزل الشرق في صوره التخلف والعنف ويختزل الغرب في صوره الماديه والجشع هذا الاختزال المتبادل يلغي الفروق الفرديه ويطمس اصوات التنوير والاعتدال داخل كل ثقافة ليترك الساحةفقط لغلاة المتطرفين من كل جانب ليمثلوا الهويه باكملها .
من هنا يصبح صدام الجهلات بمثابه وقود للحروب الحديثه وصناعات السلاح الايديولوجي عندما يجهل طرف ما حقيقه الاخر ويسلبه انسانيته وتاريخه المعقد يصبح من السهل جدا شيطنته وتبرير العنف ضده. انها لعبه السياسه الفجه التي تستثمر في الخوف والمجهول بدلا من الاستثمار في المعرفه والتبادل الانساني المشترك ان البديل الذي طرحه ادوارد سعيد ويتاكد يوما بعد يوم هو" تحرير المعرفه" ان مواجهه صدام الجهالات تتطلب منا الانتقال من فكره "نحن ضد هم "الى فكره الانسانيه مشتركه يتطلب الامر تفكيك الخطابات الاقصائيه والبحث عن نقاط التماس الإنساني
اسقاط نبوءة صدام الحضارات عبر بوابة الجهالات
باسقاط اطروحه صدام الحضارات عبر مفتاح صدام الجهلات لادواره السعيد يجب تفكيك الاسس النظريه التي بنيت عليها النبوءه الاولى وكشف زيفها المعرفي هذا الاسقاط لا يتم بمجرد النفي بل عبر استراتيجيه تفكيكيه تشمل اربع مسارات اساسيه.
1- تفكيك وهم النقاء الثقافي اثبات الهويه الهجينه
اطروحه الصدام :
تفرض ان العالم يتكون من سبعه او ثمانيه كتل حضاريه مصمته ومستقله لكل منها جينات ثقافيه ثابته لا تتغير مثل الغرب ,الاسلام, الكافوشيوسيه وغير ذلك
الاسقاط بالجهالات :
كشف الجهل بالتاريخ المشترك, الحضارات ليست جزرا معزوله بل هي كائنات هجينه تعيش على التثاقف والاستعاره المتبادله لا وجود لغرب خالص دون الارث العلم الاسلامي والشرقي ولا وجود لشعوب اسلامية دون الانفتاح على الفلسفة اليونانيه والعلوم الهنديه.
الصدام يسقط عندما ندرك ان الاخر موجود في الذات تاريخيا.
2- كشف الجهل المصنوع تفكيك القوالب النمطيه
اطروحةالصدام :
تعتمد على التعميم فالحضاره الاسلاميه باكملها تختزل في العنف والحضاره الغربيه تختزل في الامبرياليه والماديه.
الاسقاط بالجهالات:
التمييز بين الجهل الطبيعي عدم المعرفه والجهل المصنوع الاعلامي والسياسي اسقاط الاطروحه يتطلب توضيح كيف تصنع القوى السياسيه صورة النمطيه مشوهه للاخر لتبرير الحروب وصناعه السلاح عندما يفكك هذا هذا الجزء المصنوع يكتشف الشعوب ان الخلافات السياسيه ومصلحيه وليست ثقافيه حتمية.
3- ضرب المركزيه والاختزال ابراز التعدديه الداخليه
اطروحه الصدام :
تفرغ كل حضاره من تنوعها الداخلي وتفترض ان جميع افراد الحضاره والواحده يفكرون بنفس الطريقه كل المسلمين نسخه واحده كل الغربيين نسخه واحده.
الاسقاط بالجهلات:
ابراز الصراعات والتيارات الداخليه في كل ثقافه داخل الغرب هناك تيارات انسانيه اشتراكيه راسماليه ويمينيه وداخل العالم الاسلامي هناك تنوع مذهبي فكري قومي وسياسي هائل صدام الجهالات يثبت ان المعركه الحقيقيه ليست الحضارات بل هي معركه داخل كل حضاره بين قوى الانفتاح والتنوير وقوى الانغلاق والتطرف
4- انسنة الصراع تحويله من حتمي الى السياسي
اطروحةالصدام:
في طابعا مقدسا او حتميا على النزاعات وتجعل الحرب قدرا لا مفر منه بسبب اختلاف القيم والاديان.
الاسقاط بالجهلات:
اعاده الصراع الى حجمه الطبيعي كصراع مصالح وسياسات ارض، نفط ،نفوذ ،اقتصاد ،الجهل بالاخر هو الذي يغلف هذه المصالح الماديه بغلاف ديني او ثقافي تفكيك الجهل يعني تعريه الخطاب السياسي الفج الذي يستغل عواطف الجماهير وخوفها من المجهول
الاليه العمليه للاسقاط كيف نطبق ذلك ؟
اولا :التعليم العابر للثقافات: تدريس التاريخ كحلقات متصله من التاثير المتبادل وليس كمعارك منفصله
تفكيك الخطاب الاعلامي :رصد ومحاكمه المصطلحات التي تشيطن المجتمعات مثل "الاسلامفوبيا او الشرق المتخلف" الترجمه الانسانيه :التركيز على ترجمه الاداب والفنون التي تعكس مشترك الانساني( الالم ,الحب, الامل )بدلا من ترجمه التحليلات السياسيه الصداميه فقط.
خاتمة
وبناء على ما تقدم استنتج ان اطروحه صدام الجهلات للمفكر إدوارد السعيد لم تكن مجرد رد فعل نقدي عابر على نظريه هينتنجتون "صدام الحضارات" بل قراءه تفكيكية عميقه عرت اليات التنميط الثقافي والاختزال الاديولوجي لقد اثبت سعيد بنفاذ بصيره ان الصراع الراهن في العالم ليس حتميه حضاريه بين هويات مغلقه وانما هو نتاج جهل متعمد مركب ومتبادل يصنعه الساسة والاعلام بغرض تاجيج الكراهيه وبناء جدران الخوف وعليه تظل دعوه سعيد ادوارد قائمه نحو تبني" نزعة انسانيه عقلانية" تتجاوز التجريدات الفضفاضه والمغالاطات المقصودة، وتبحث عن المشترك الانساني عبر التفاعل والترابط مؤكدة ان تقارب الامم والشعوب يبدا اولا بتهديم الجهل بالاخر والانفتاح النقدي عليه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق